السيد عباس علي الموسوي
80
شرح نهج البلاغة
( وعفى آثاركم وعطل دياركم ) درس ما عمرتموه ومحاه من صفحة الوجود وبقيت دياركم خالية ليس فيها أنيس أو جليس فإن الموت يقضي على الإنسان وإذا قضى عليه خلت الديار وخربت . . . ( وبعث وراثكم يقتسمون تراثكم ) وهكذا يموت السلف فيأتي الخلف لتوزيع الميراث وتقسيمه فيما بينهم والعاقل من يعمل في ماله ما يحب دون أن ينتظر توريث من خلفه . . . ( بين حميم خاص لم ينفع وقريب محزون لم يمنع وآخر شامت لم يجزع ) وهذه هي حالات الناس مع هذا الصريع الذي حلّ فيه الموت فهذه الصداقة الحميمة التي كانت تربطه بالآخرين لم تنفع ولم تفيد لقد سقطت أمام الموت كل العلاقات الحميمة . وكذلك لم يمنع الموت قريب محزون من أب أو ابن أو أخ أو أي قريب لما حلّ بهذا الحبيب . . . فالحزن والتأثر لم يمنع الموت من حلوله وسقوطه . وفي مقابل هذا الذي يتأثر له من حميم أو قريب هناك الشامت الذي لم يحزن أو يتأثر بل تفرح نفسه لما حل بهذا الإنسان وعلى كل حال فالناس بأحوالهم المختلفة لن يؤثروا في دفع الموت أو رفعه بل لا بد من وقوعه وحلوله وإذا كان هذا هو الواقع فلا بد للإنسان من الاستعداد وأخذ الأهبة لهذه الساعات الصعبة . . . ( فعليكم بالجد والاجتهاد والتأهب والاستعداد والتزود في منزل الزاد ) بعد أن ذكر الموت وعوارضه وما يلحق من حلّ به من كرب وشدائد توجه إلى الناس وأوصاهم بما ينفعهم بأن يشمروا عن سواعد الجد والنشاط ويبذلوا طاقتهم وقدرتهم في العمل الصالح . . . أن يتأهب الإنسان ويستعد ويأخذ بالأسباب التي هي الأعمال الصالحة من القيام بالواجبات وترك المحرمات وفعل الخيرات ويتزود منها وهو في دار الدنيا التي فيها فإن الدنيا دار عمل والآخرة دار حساب . . . ( ولا تغرنكم الحياة الدنيا كما غرّت من كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون الخالية الذين احتلبوا درتها وأصابوا غرتها وأفنوا عدتها وأخلقوا جدتها ) نهاهم أن يغتروا بالحياة وزينتها وما فيها كما غرّت من كان قبلهم من الأمم السابقة والقرون المتقدمة ثم وصف الذين تقدموا بأنهم أدركوا في غفلة من الدنيا بعض منافعها فاستمتعوا بها ولكنها لم تغفل عنهم ولم تتركهم وكذلك فإنهم انتفعوا ببعض منافعها وفوائدها وأبلوا بعض جديدها ولكن مع ذلك لم تمهلهم حتى أفنتهم وأخرجتهم عنها . . . ( وأصبحت مساكنهم أجداثا وأموالهم ميراثا لا يعرفون من أتاهم ولا يحفلون من